لا يزال الحريق الذي التهم مبنى مجلس الشورى المصري مؤخراً, يثير جدلاً هائجاً بين الموالاة والمعارضة اللتين تتباريان على تمنّي احتراق كل مؤسسات ومقرات ومكاتب الطرفين. الأمر أشبه بسكان بيت واحد يشمت كل منهم باحتراق غرفة الآخر فيما النار تهدد بالتهام كل المنزل, أو بصياد جائع يحرق كوخه لشواء طريدة صغيرة. لا بل أكثر: مصر بعد الحادث بدت كبنيان يتداعى برمته, فيما الطبقة السياسية في المعارضة كما الموالاة تتسابق على كيل التهم سعياً وراء مكاسب آنية أو أرباح فئوية. لماذا هذه الفوضى الوطنية في بلد طالما فاخر بوطنيته, وبأنه يكاد يكون البلد الوحيد منذ فجر التاريخ الذي ينطبق عليه وصف الدولة الحقيقية؟ الأسباب تبدو عديدة. لكن أهمها اثنان أحدهما اقتصادي اجتماعي والآخر سياسي دستوري. السبب الأول كناية عن بطاطا ملتهبة يجهد الجميع لمنعها من الاستقرار في حضنه: البطالة تجاوزت الثمانية ملايين شاب وشابة, وهي تزداد مليوناً كل سنة, فيما ارتفع سن الزواج لدى الشباب الى 35 سنة بسبب غلاء المعيشة والارتفاع الشاهق في أسعار المساكن. حالات الطلاق بلغت أرقاماً فلكية لسوء الأوضاع الاقتصادية, ووصلت نسبة المصريين الذين يعيشون تحت خط الفقر الى نحو 35 في المائة وفق الاحصاءات الرسمية. العطش بات يضرب عشرات آلاف القرى, ومئات آلاف الفلاحين لم تعد تصلهم لا مياه الشفة ولا صنابير الري. 46€ من مراكز محافظة كفر الشيخ وقراها, على سبيل المثال, محرومة من مياه الشرب. - انتشار الفقر ساعد على تفاقم معدلات الانهيار في الأوضاع المعيشية للملايين من المصريين, وتزايد معدلات العنف والجريمة, وتعدد حالات الانتحار بسبب الاملاق واليأس. الطبقة العاملة وصلت الى بؤس غير مسبوق, بعد ان اتسعت بشدة الفجوة بين الفقراء والأغنياء, وتدهورت مستويات معيشة الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى. أما الأوضاع الصحية فقد ورد وصفها في تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للانماء والتنمية, وهي ترسم صورة قاتمة جداً لأوضاع المواطنين المصريين. السبب الثاني لهذه الفوضى الوطنية, سياسي دستوري, يعود الى الشلل الذي تشهده مصر هذه الأيام بسبب أزمة خلافة الرئيس مبارك. جاء في دراسة حديثة لبرنامج كارنيغي للشرق الأوسط: مصر غائبة تماماً عن أي دور اقليمي في المنطقة هذه الأيام. لكن هذه ظاهرة مؤقتة على الأرجح, نظراً لأهمية مصر التاريخية في الشؤون العربية, وتنافسها الطويل الأمد مع المملكة السعودية على الزعامة, وحجمها الكبير. بيد أن مصر في الوقت الراهن منغمسة في تحديات داخلية. فهي تواجه نهاية عهد حسني مبارك الذي دام 27 عاماً, ومعها أزمة خلافة لأن نجله وخليفته المفترض جمال لم يحز احترام الأجهزة الامنية, ولا محبة الشعب. هذا فضلاً عن تزايد الاضطرابات بسبب تفاقم البطالة وارتفاع الأسعار. وبديهي أنه حين تتقاطع أزمة الخلافة هذه مع الأزمة الاقتصادية الاجتماعية, يبرز الى الوجود مزيج لاهب في أرض الكنانة يهدد بهدم المعبد على رؤوس الجميع في أية لحظة. الى أين يمكن أن يقود هذا المزيج المتفجّر؟ لو أننا نعيش في نظام عالمي لا تهيمن عليه أميركا واسرائيل, أو بيئة مصرية لا تمسك بخناقها طبقة كومبرادورية خدماتية مرتبطة بهذا النظام, لقلنا ان مصر مقبلة على ثورة كبرى جديدة ستحدث تحوّلاً تاريخياً ايجابياً في كل من أوضاعها وأوضاع المنطقة. لكن الصورة ليست على هذا النحو. ولذا الأغلب أن يكون المخرج تمديد عمر الأنظمة الأمنية السلطوية أو تجديد هياكلها من دون المس لا بجوهرها الاستخباري ولا بمضمونها الاقتصادي الخدماتي التابع.وبالطبع, خناقات الطبقة السياسية وتدهور قيمها, كما كشفت عن ذلك أحاديث الحرائق, لن تفعل شيئاً سوى منح هذه الحلول السلطوية المزيد من التبريرات والمسوّغات. |