Thursday, August 14, 2008

صراع فى مصر مداره الأحقية بالتعليق على الأحكام القضائية


الأحكام القضائية التى تصدر فى مصر صارت مصدرا للجدل وصراعا جديدا بين القضاة والحكومة ممثلة بكل من وزير العدل ورئيس مجلس القضاء الأعلى على خلفية تصريحات رئيس المجلس المستشار مقبل شاكر بعدم التعليق على الأحكام القضائية مما أثار جدلا واسعاً فى أوساط القضاة حيث دافع بعضهم عن الحق فى الحديث فى القضايا الوطنية والتعليق على الأحكام القضائية الصادرة دون الإساءة إلى السلك القضائى نفسه.

المستشار أحمد مكى نائب رئيس محكمة النقض قال إن المجلس الأعلى للهيئات القضائية ليست له ولاية على سلوكيات القضاء كما أنه ليس من سلطاته إصدار قرارات تمنع ظهور القضاة على القنوات الفضائية لأن ذلك أمر مباح لهم باعتبارهم جزءا من الشعب.

وأضاف أن مجلس القضاء الاعلى ليست له ولاية على سلوكيات القضاة حتى يمنعهم من الظهور على الفضائيات ووسائل الإعلام، وأن من حق القاضي، باعتباره مواطنا، الإسهام فى الحياة العامة التى هى واجب كل وطنى والحديث فى قضايا الوطن لكن مع عدم الاشتغال فى السياسة وعدم المشاركة فى نشاطات الأحزاب السياسية والحركات الاحتجاجية أو الترشح للانتخابات.

وأوضح أن من حق القاضى التعليق على الأحكام القضائية فى مختلف درجاتها لكن دون الإساءة إلى شخص القاضى أو المحكمة أو السلك القضائى أو محاولة للتأثير على مسار القضية.

فيما قالت المستشارة نهى الزينى نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية أن التعليق على الأحكام القضائية غير محظور إلا فى حالتين فقط: الأولى هى المساس بهيئة المحكمة أو الإساءة إلى شخص القاضى الذى أصدر الحكم والتشكيك فى كفاءته ونزاهته بأى شكل، والثانية هى محاولة التأثير على المحكمة فى قضية منظورة أمامها. أما التعليق على حكم صدر بالفعل حتى لو كان منظوراً أمام الاستئناف فلا يمكن منعه ولا يشكل جريمة بل هو على العكس واجب فى كثير من الأحيان.

وفى حين أكد المستشار هشام البسطويسى نائب رئيس محكمة النقض أن الغرض الحقيقى من التصريحات الاخيرة هو حماية قرارات معينة وتصرفات معيبة وأحكام صدرت لا يرضى عنها الشعب وتنتقص من هيبة القضاء واحترام الشعب للقضاة وللأحكام التى يصدرونها.

وطالب بعض المؤيدين لرئيس مجلس القضاء الأعلى الحفاظ على استقلال القضاء وحياده لأن ذلك يصب فى صالح الجميع ويساهم فى تقوية الدولة، مؤكدين أن تصريحات شاكر تأتى فى إطار الحفاظ على هيبة القضاة وطالبوا بضرورة أن يقابل هذا التحرك من رئيس مجلس القضاء الأعلى التزام مماثل من وسائل الإعلام المختلفة باحترام القانون والتوقف عن التعليق على الأحكام القضائية غير النهائية والبعد عن استضافة القضاة للتعليق على أمور سياسية.

وكان رئيس مجلس القضاء الأعلى المستشار مقبل شاكر قد حذر القضاة من مغبة التعليق على الأحكام القضائية مؤكدا أن التعليق على الأحكام غير النهائية فى القضايا التى تشغل الرأى العام لا يجوز ومرفوض تماما بنص القانون ويشكل جريمة.

وأشار إلى قرار سابق لمجلس القضاء الأعلى لا يسمح على الإطلاق بظهور القضاة فى الفضائيات للتعليق على أمور تخص سياسة الدولة لأن هدف القضاة هو تحقيق العدل لا الخوض فى السياسة.

صراع القضاه الجديد يعيد إلى الذاكرة مظاهرات القضاة بالأوشحة وجمعيتهم العامة الطارئة عام 2006 للمطالبة باستقلال السلطة القضائية، وكذلك قيام وزير العدل بمنع القضاة من صرف فائض الميزانية العام الحالى ومنع بدل العلاج، فى توقعاتٍ بإلغاء المزيد من الحقوق المالية للقضاة.

وفى المقابل رفض القضاة هذه الإجراءات واعتبروها عدوانا جديدا على السلطة القضائية وعقد قضاة المنصورة أول جمعية عمومية طارئة ضد قرارات مرعي، وأعلن قضاة الإسماعيلية وبنى سويف تحضيرهم جمعيتين عموميتين فى نفس الاتجاه، فى نفس الوقت الذى أكد نادى قضاة مصر إعداده عقد جمعية عمومية طارئة لقضاة مصر لمناقشة الخطوات الإجرائية لمواجهة مرعى فى جولة جديدة.

وأكد مراقبون أن الحكومة لديها موقف مبدئى من القضاة لمنعهم من الحصول على الاستقلال الكامل ولإبقائهم تحت سطوته.

وشددوا على أن الوضع يسير فى اتجاه انفجار قضائى جديد طالما استمر الموقف الحكومى الحالى دون تراجعٍ سريعٍ وحاسمٍ بإقرار كافة الحقوق القضائية للقضاة وإقرار قانون السلطة القضائية على الأخص.

وطالبوا الحكومة بإعادة حساباتها من جديد قبل اشتعال الموقف فى ظل اعتماد القضاة سياسةَ الخيارات المفتوحة للتعامل مع الموقف الحالي.

وفى السياق ذاته يرى المستشار زكريا عبد العزيز رئيس نادى قضاة مصر أن هناك عملية تحريض كبرى ضد القضاة من أجل الاحتجاج وعودة المشهد الاحتجاجى لهم فى الشارع مرة أخرى.

وحذر رئيس نادى القضاة من عواقب التجاوزات المستمرة ضد القضاة مشيرا إلى أن الوطن يعيش فى حالة احتقان، ولا يحتاج إلى إشعال المزيد من الاحتقان بافتعال المشاكل مع القضاة.

ويرى المستشار هشام جنينة السكرتير العام لنادى القضاة أنه يجب على الحكومة أن تفهم عواقب تحركاتها ضد القضاة وضرورة تراجعها سريعا بدلا من اتخاذ إجراءات مشددة تعيد مشهد احتجاجات القضاة إلى الأذهان. ويؤكد جنينة أن ناديَ قضاة مصر يأمل فى حل الأمور بشكل سريع وأنه لن يفقد الأمل فى تصحيح مثل هذه الإجراءات التعسفية ضد القضاة طالما أن هناك خطوات إيجابية من القضاة تؤكد الرفض العارم لما يحدث.

ويعتبر المستشار أشرف البارودى عضو مجلس نادى قضاة الإسكندرية الأحداث الحالية جزءا من مظاهر العدوان على القضاء ومظهرا من مظاهر المعاناة التى يتعرض لها القضاة نتيجة إصرارهم على استقلالهم.

ويوضح أن أساس المشكلة هو أن الدولة لا تريد إصدار مشروع السلطة القضائية الذى يحتوى على حل لكافة مشاكل القضاة خاصةً المشاكل المالية الحالية، مشيرا إلى أن الدولة لا تريد أن تتعامل بشفافية وصدق وحسن نية مع القضاة، مؤكدا أن الدولة أدمنت لعبة القط والفار كإستراتيجية مع القضاة، حيث تعطى من هنا وتأخذ من هناك؛ تعطى ميزانية مستقلة وتأخذ فائض الميزانية حتى لا يخرج القضاة عن سيطرتها.

ويؤكد المستشار سمير حافظ أن الوضع الحالى يؤكد أنه لا يوجد سلطة قضائية فى مصر وأن هناك سلطة واحدة فى مصر، مشددا على أنه لو أن مصر لديها سلطات ثلاث ما سمع أحد بمشكلة كهذه الدائرة بين القضاة الآن.

ويشير إلى أن مشاكل القضاة وغيرها مما يحدث فى مصر مظاهر لمشكلة واحدة هى وجود سلطة واحدة تنفرد بكل شيء وتتغول على باقى السلطات الشرعية حتى بات الموقف فى مصر هو وجود سلطة تحكم وتشرع وتقاضى وتقضى ولا تخضع لمساءلة عما تفعل.

وشدد على أنه لا أمل فى حل مشاكل القضاة طالما لم تتم إزالة سبب المشاكل ويتغير الوضع فى مصر وتُحترم السلطة القضائية، وتعاد إلى مكانتها القانونية والشرعية والدستورية وبيدها وحدها مقاليد القضاة والقضاء.

ومن جهته يؤكد الدكتور يحيى الجمل الفقيه الدستورى أن هناك حالة عداء واضحة بين الحكومة والمجتمع حتى بات المشهد المصرى بين القضاة المتوترين والصحفيين الرافضين والاقتصاديين القلقين والمفكرين الذى يتوقعون الكارثة القريبة.

ويتساءل: "هل يعقل أن تعادى الدولة القضاة وتكون ضد كافة قطاعات الشعب، مطالبا النظامَ الحاكم بأن يستوعب أنه يتعامل مع فئة القضاة التى يجب أن تكون محل رعاية وتقدير وأمان كى تقوم بدورها فى الدولة.

ويؤكد الدكتور عاطف البنا أستاذ القانون الدستورى بجامعة القاهرة أن الحديث عن عدوان جديدٍ على القضاء يجعلنا نشعر أن العدوان توقف، ولكنه فى الحقيقة مستمر ولم يتوقف، مشددا على أن هناك موقفًا حازما من الدولة ضد القضاة مفاده أنه لا استقلال للقضاة، وأنه يجب السعى جاهدا إلى تثبيت هذا الموقف أمام القضاة بين الحين والآخر.

ويشير إلى أنه رغم أن القضاة حصلوا مؤخرا على ميزانية مستقلة إلا أن الدولة تحاول أن تواصل تداخلاتها فى القضاء. وأكد على ضرورة تراجع الدولة عن عدوانها على القضاة.

ويصف النائب صبحى صالح عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب ما يحدث من الحكومة بأنه "إدمان حكومي"، مؤكدًا أن الحكومة دأبت منذ سنوات على انتهاج منهج واضح لإفساد السلطة القضائية يتبنى ثلاث طرق هى الإقصاء، والاحتواء، والاختراق، ويعتمد على خطين؛ هما: التخويف، والضغوط أو الإغراء.

ويشير صالح إلى أن الذى يحدث جزء من هذا المنهج الفج الذى لا يراعى الفصل بين السلطات الثلاث، مؤكدًا أن أزمات الحكومة مع القضاة مستمرة طالما فى مصر قضاة مستقلون يرفضون العدوان على القضاء واستقلاله.